الشيخ محمد رشيد رضا
526
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أيوب منها أن صح ما روى وكان عن مشاهدة ، والا كان مبنيا على ما توارثه قبل نفى النبي ( ص ) له أو قبل العلم بهذا النفي . وقد قال اللّه تعالى في الشيطان ( إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ) وقال ابن عباس ان النبي ( ص ) لم ير الجن حين استمعوا القرآن منه بل علم ذلك بالوحي لقوله تعالى ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ) ولكن في حديث ابن مسعود وكان معه انه رأى اسودة تشبه السحاب وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه . وروى البيهقي في مناقب الشافعي باسناده عن الربيع : سمعت الشافعي يقول : من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته الا أن يكون نبيا . انتهى . وقد حملوه كما حملوا الآية على من يدعي رؤيتهم بصورتهم التي خلقهم اللّه عليها دون الصور التي يتمثلون بها على اننا نقول إن ما اشتهر عن العرب في مسألة الاغوال واستهوائها بعض الناس في الفلوات حتى يضلوا الطرق لا بد أن يكون له أصل عندهم ، والراجح المعقول فيه ما ذكرناه عن سيدنا عمر وصرح به بعض المتكلمين من أنه تخيل لا حقيقة له في الخارج ، وقد يكون منه رؤية حيوان غريب كبعض القردة . والعرب تطلق اسم الشيطان على العاتي المتمرد من الانس والجن وعلى بعض الحيوان والحشرات وعلى كل قبيح الصورة . قال تعالى في شجرة الزقوم ( طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ ) قيل هو نبات قبيح وقيل شبهها بالعارم من الجن . قال في التاج وقال الزجاج في تفسيره : وجهه ان الشيء إذا استقبح شبه بالشياطين فيقال كأنه وجه شيطان وكأنه رأس شيطان ، والشيطان لا يرى ولكنه يستشعر أنه أقبح ما يكون من الأشياء ولو رؤى لرؤى في أقبح صورة . وقيل كأنه رؤوس حيات ، فان العرب تسمي بعض الحيات شيطانا . وأورد شاهدا من الشعر على ذلك . وورد في بعض الأخبار ان حيات البيوت من الجن . وفي حديث أبي ثعلبة الخنثى عند ابن حبان والحاكم وغيرهما ، « الجن على ثلاثة أصناف صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء وصنف حيات وعقارب وصنف يحلون ويظعنون » قال السهيلي هذا الأخير هم السعالي . وعن وهب بن منبه أنهم أجناس خالصهم ريح ( أي كالريح ) لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون ولا يموتون ومنهم من يأكلون الخ والحاصل أن اسم الجن والشياطين يطلق عند العرب على بعض الحشرات والحيوانات الضارة أو القبيحة وعلى